توجيه أهل العلم للجمع بين حديثين

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

أما بعد،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْغَرِيقُ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) في البخاري ومسلم

وفي الحديث الصحيح الآخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو : ( اللهم إني أعوذ بك من التردي ، والهدم ، والغرق ، والحريق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً ، وأعوذ بك أن أموت لديغاً ).

رواه أبو داود والنسائي وزاد في رواية أخرى ” الغم “.

وصححه العلامة الألباني.

وهنا يرد إشكال وهو :

كَيْفَ يُسْتَعَاذُ مِنَ هذه الأمور والتي منها مِيتَةِ الغَرَقِ وَ الحَرْقِ وَ الهَدْمِ وَقَدْ ثَبَتَ في السنة كما في الحديث الأول أَنَّهَا مُن أسباب نيل الشَّهَادَةِ ؟

نقول وبالله التوفيق وهو المستعان ولاحول ولاقوة إلا به سبحانه وتعالى:

ذكر أهل العلم أقوالا في الجمع بين الحديثين نذكرها على جهة الإختصار منها

القول الأول :

إنما إستعاذ من هذه البليات مع ما وعد عليها من الشهادة لأنها محن مجهدة مقلقة لا يكاد واحد يصبر عليها ويثبت عندها أو يذكر عند حلولها شيئًا مما يجب عليه في وقته ذلك ، وربما ينتهض الشيطان عنه فرصة لم يكن لينال منه في غيرها من الأحوال ، أي فيحمله على ما يضر بدينه ، ثم إنها تفجأ عليه فتتضمن الأسباب التي ذكرناها في موت الفجاءة .

القول الثاني :

إستعاذ منها مع ما فيها من نيل الشهادة لأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلايا كالأمراض السابقة المستعاذ منها ، وأما ترتب ثواب الشهادة عليها فللبناء على أن الله تعالى يثيب المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة يشاكها ومع ذلك فالعافية أوسع ، ولأن الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية متمنى كل مؤمن ومطلوبة وقد يجب عليه توخي الشهادة والتحري لها والتجرؤ فيها، بخلاف التردي والحرق والغرق ونحوها فإنه يجب التحرير عنها ولو سعى فيها عصى .

القول الثالث :

في الحقيقة الإستعاذة ترجع إلى وقوعها من حيث الإخلال بالدين والإستعاذة من المحن والمصائب كلها إنما هي من حيث إحتمال الجزع والشكوى مع كونها سببًا للكفارة من الذنوب ورفع الدرجات . أعاذنا الله وإياكم مما إستعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفانا الله و إياكم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن .

والله أعلم.

مقال كتبه و أملاه : غازي بن عوض العرماني

يوم الإربعاء 26 صفر 1439 هجري