بيان حكم بعض المسائل في ” اللعن ” أعاذنا الله و إياكم منه

بيان حكم بعض المسائل في ” اللعن ” أعاذنا الله و إياكم منه

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد

فقد وردنا السؤال التالي ونصه : ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لاحول ولاقوة الا بالله أعوذ بالله من قول السوء وخاصة اللعن الله المستعان بعضهم إذا غضب قال (ألعن والديك وشاهديك) أستغفر الله كتبتها للتبيان ولخطورة هذا اللعن نسأل الله السلامة أغلبية العامة ينطق بهذه الكلمه من غير علم إنما هو تقليد لما يسمعه من البيئة التي عاشها أو الناس من حوله أعتقد والله أعلم أن الشاهدان الملائكة عليهم السلام فلم ألاحظ أحداً بين هذا الأمر وهو مطروح للسؤال من الإخوة طلبة العلم ومن لديه علم لأن شاهد المرء هم الملائكة أرجو من الشيخ غازي حفظه الله أن يعلق على ماكتبته

أخوكم : ……….

فالإجابة نقول وبالله التوفيق وهو المستعان ولاحول ولاقوة إلا بالله سبحانه وتعالى :

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

ماكتبته يا أخ ………. :

حق لا مرية فيه فاللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله وتحريمه ثابت شرعا وبهذا أتت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحاديث الصحيحة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ اللَّعَّانِينَ لا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )

وقوله صلى الله عليه وسلم ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ )

وقوله صلى الله عليه وسلم (لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِه).

وهنا بيان وإيضاح :

فلعن الكفرة والفسقة على حالين:

الحال الاولى :

على جهة العموم فلعنهم في هذه الحال جائز لأنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى وشارب الخمر ومن ذبح لغير الله ومن لعن والديه ومن آوى محدثا ومن غير منار الأرض …

الحال الثانية :

لعن المعين ولوكان كافرا أو عرف بفسقه لايجوز لما ثبت في السنة ومن ذلك ماذكره

البخاري رحمه الله في صحيحه حديث ( ٦٧٨٠) عن عمر رضي الله عنه أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يُضْحِك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ، فأُتِي به يوما فأمر به فجلد ، قال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلعنوه ، فو الله ما علمت ، إلا أنه يحب الله ورسوله ) .
ومن ذلك ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه
حديث ( ٤٠٧٠) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.
مسألة :
حكم : لعن الشاهدين فإن أراد من شهد له من بني آدم فإن كان اللعن لمعين ولعله المراد لأنه خصص شاهديه باللعن فيحرم وإن أراد بالشاهدين الملائكة الكتبة كما في قوله تعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }، وقوله تعالى : {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } وقوله تعالى {عن اليمين وعن الشمال قعيد }
إتّفق العلماء على أنّ من سبّ أنبياء اللّه تعالى أو ملائكته – الوارد ذكرهم في الكتاب الكريم والسنّة الصّحيحة – أو إستخفّ بهم أو كذّبهم فيما أتوا به أو أنكر وجودهم وجحد نزولهم قتل كفراً‏.‏ وإختلفوا هل يستتاب أم لا ‏؟‏ فقال الجمهور‏:‏ يستتاب وجوباً أو إستحباباً على خلاف بينهم‏.‏ وعند المالكيّة‏:‏ لا يستتاب على المشهور‏ بل يقتل .‏
فعلى المسلم أن يخاف الله ويتقيه فيحذر من سقطات لسانه وهفواته، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } : وقد إختلف العلماء : هل يكتب الملك كل شيء من الكلام ؟ وهو قول الحسن وقتادة ، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس ، على قولين ، وظاهر الآية الأول ، لعموم قوله : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي ، عن أبيه ، عن جده علقمة ، عن بلال بن الحارث المزني قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه . وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه ” . قال : فكان علقمة يقول : كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث .
ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، من حديث محمد بن عمرو به . وقال الترمذي : حسن صحيح . وله شاهد في الصحيح .
وقال الأحنف بن قيس : صاحب اليمين يكتب الخير ، وهو أمير على صاحب الشمال ، فإن أصاب العبد خطيئة قال له : أمسك ، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها ، وإن أبى كتبها . رواه ابن أبي حاتم .
وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } : يابن آدم ، بسطت لك صحيفة ، ووُكّل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك ، والآخر عن شمالك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر حتى إذا مت طُويت صحيفتك ، وجُعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة ، فعند ذلك يقول : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } [ الإسراء : ١٣ – ١٤ ] ثم يقول : عدل – والله – فيك من جعلك حسيب نفسك .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } قال : يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر ، حتى إنه ليكتب قوله : ” أكلت ، شربت ، ذهبت ، جئت ، رأيت ” ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله ، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر ، وألقى سائره ، وذلك قوله :{ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } [ الرعد : ٣٩ ] ، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه ، فبلغه عن طاوس أنه قال : يكتب الملك كل شيء حتى الأنين . فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله .” إنتهى كلامه رحمه الله
فحاسبوا أنفسكم أيها الإخوة قبل أن تحاسبوا وزنوا كلامكم بميزان الصدق والعدل والحق ورحم الله امرأ قال حقا بعلم أو صمت.
( فائدة )
بعد نشر المقال السابق عن حكم اللعن أورد بعض الإخوة هذا الإيراد ونصه ( يستدل بما ورد في الأدب المفرد بأن رجلا كان يؤذي جاره .. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمره صلى الله عليه وسلم أن يخرج متاعه خارج البيت . ففعل ذلك فجعل الناس يمرون فيسألونه عن السبب
فيقول لهم : جاري هذا ظلمني وجاره واقف يسمع فما يكون من الناس إلا أن يقولوا : لعنه الله قاتله الله .
فذهب الجار الظالم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : مر جاري فليعد متاعه فقد لعنني الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد لعنك من السماء قبل أن يلعنك من في الأرض ..
قال العلامة الألباني رحمه الله هذا إقرار منه صلى الله عليه وسلم على لعنه .. وذكر أدلة أخرى وكان السؤال حول لعن أناس معيننين مسلمين تسببوا في قتل أناس آخرين .. ومن ذلك لعن المتبرجات بالزينة كما ذكر بعض الإخوة ) فالجواب نقول :
التبرج فسق ومعصية ظاهرة فتلعن المتبرجات مثل قول بعضهم ( لعن الله المتبرجات ) ونحن نقولها كذلك لكن على جهة العموم وأما تخصيص ( فلانة ) باللعن فهذا لا يفهم من الحديث وأما لعن الظالم كما تفضلت فهنا أمور يجب أن ينتبه لها:
أولها :
الإقرار والإخبار وحي وهي من خصوصياته صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرته.
ثانيا :
في علم الأصول مقرر  أنه يقدم القول قبل الفعل.
 ثالثا :
مقرر في علم الأصول أنه يقدم الحاظر على المبيح.
والله أعلم .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
كتبه وأملاه الفقير إلى عفو مولاه: غازي بن عوض العرماني
صباح يوم الأحد ١١/ ١ / ١٤٣٩ هجري