كيف تأمر بالمعروف و تنكر المنكر على الخاصة و العامة في ضوء الكتاب و السنة و ما عليه سلف الأمة

كيف تأمر بالمعروف و تنكر المنكر على الخاصة و العامة في ضوء الكتاب و السنة و ما عليه سلف الأمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}

أما بعد ،

فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته استجابة لطلبك ونصه ( سلام عليكم شيخنا الفاضل قد ترون كتابة مقالات مختصرة جدا عن ضرر ظهور المنكرات وطريقة انكارها خاصة اذا كان لها تعلق بالسلطان لأن ” الاخوانية الخوارج ” يذرفون دموع التماسيح وأكثرهم يكذبون إستثارة لعواطف الناس ضد ولاة الأمر وأيضا إظهار أنفسهم أنهم أنصار الفضيلة والحق ..

فقد سألنا الله التوفيق والإعانة والسداد في إجابة طلبكم.

فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان ولاحول ولاقوة إلا به سبحانه وتعالى :

هنا ضوابط مهمة مستمده من الكتاب والسنة وماعليه سلفنا الصالح لا بد من مراعاتها والعمل بما فيها وهي:

أولا :

العلم قبل إنكار المنكر لقوله تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

وفي الأثر عن إبن مسعود رضي الله عنه وقد قال له رجل : هلك من لم يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فقال له هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه: ” بل هلك من لم يعرف المعروف بقلبه وينكر المنكر بقلبه “

ثانيا :

الرفق في الإنكار والكلام الطيب والأسلوب الحسن، حتى يقبل منهم، وحتى يصلحوا أكثر مما يفسدون، لقول الله عز وجل:{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}

وقول الله عز وجل: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}

ثالثا :

ترك مشابهة ملل الكفر كاليهود والنصارى في أنهم ينكرون المنكر وهم يعملونه ويأمرون بالمعروف ويتركونه لذا ذمهم الله بقوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} ، وقال سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ }

وقد ورد عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ : أَيْ فُلاَنُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ) رواه البخاري (3267) ، ومسلم (2989).

وحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ ، يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ) رواه الإمام أحمد (13515) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (291).

وقال الشاعر

ياأيــها الرجــــل المعـلـــم غــيره                    هلا لنفسك كان ذا التعليــم

تصف الدواء لذي السقام وذى الضنا                كيمـا يصـح به وأنت سقيــــم

ونـــراك تصلــح بالرشــــاد عقـــولنا              وأبـدا وأنت من الرشــاد عــديــم

ابدأ بنفســك فانهــهـا عــن غيـــها                   فإذا انتهــت عنــه فأنــت حكيـم

تنبيه مهم :

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتركه العاصي أو المقصر في جنب الله فالمعصية ذنب وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذنب آخر قال إبن كثير رحمه الله في تفسيره لأية{ وما اريد ان اخالفكم} : ” وَالْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ ، حَيْثُ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ : ذَمُّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْبِرِّ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ ، بَلْ عَلَى تَرْكِهِمْ لَهُ .

فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَالِمِ ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ وَالْأَوْلَى بِالْعَالِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ أَمْرِهِمْ بِهِ ، وَلَا يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ ، كَمَا قَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). فَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَفِعْلِهِ : وَاجِبٌ ، لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِتَرْكِ الْآخَرِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعَاصِي لَا يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهَا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ تَمَسُّكُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا .

وَالصَّحِيحُ:

أَنَّ الْعَالِمَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنِ ارْتَكَبَهُ .

قَالَ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ لَهُ : لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ ، مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ.

قَالَ مَالِكٌ: وَصَدَقَ ، مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ؟ قُلْتُ : وَلَكِنَّهُ – وَالْحَالَةُ هَذِهِ – مَذْمُومٌ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ ، لِعِلْمِهِ بِهَا وَمُخَالَفَتِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ” انتهى كلامه رحمه الله.

رابعا :

مراعاة مراتب الإنكار ودرجاته ” وهي أربع درجات للإنكار فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى : أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية : أن يقل وإن لم يزل بجملته.

الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع إجتهاد والرابعة محرمة فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك وإذا رأيت الفساق قد إجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى وهذا باب واسع.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبئ الذرية وأخذ الأموال فدعهم “

( اعلام الموقعين : ٣ / ١٢ )
خامسا :
مراعاة الأصل العظيم من أصول أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وهو أصل ( السمع و الطاعة لولي الأمر بالمعروف )خلافا ” للإخوانية والإباضية والزيديه والمعتزلة “الخوارج فلزوم الجماعة والسمع والطاعة بالمعروف واجب على المرء المسلم حتى مع وجود المعاصي والمنكرات ما أقيمت الصلاة ، وما لم يقع كفر ظاهر بنص الكتاب أو السنة الصحيحة.
لكن ذلك لا يعني إقرار المنكر والرضى به ، فإنكار المنكر واجب أيضا أوجبه من أوجب لزوم الجماعة وأدلة وجوبه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن كتاب الله قوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقبله ، وذلك أضعف الإيمان) .
والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد .

والأمر في الآية والحديث يقتضي الوجوب ، ثم إن الجماعة التي جاء الأمر بلزومها هي المتابعة للحق ، ومتابعة الحق تقتضي رد الباطل وإنكاره ، وهي التي تتوافر فيها صفات الخيرية وأهم صفات الخيرية :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر}ِ
كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم شروط النصر والتمكين للجماعة قال تعالى : {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وهذا هو مقصود الولاية .. يوضح ذلك : أن صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله ، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … ” .
وإذا كان إنكار المنكرات بتلك المنزلة والأهمية بالنسبة للجماعة ، فإن القائم به هو أولى الناس بلزوم الجماعة .

لكن الإنكار الذي تلك منزلته وأهميته هو الإنكار المنضبط بالضوابط الشرعية الملتزم فيه هدي خير البرية صلوات الله وسلامه عليه ، وقد قيده النبي صلى الله عليه وسلم بالاستطاعة وجعله على مراتب حسب قدرة المتصدي للإنكار كما جاء في الحديث السابق .
فقد أمر صلى الله عليه وسلم بإزالة المنكر باليد عند القدرة على ذلك مع الأمن من حصول منكر أكبر منه أو مساو له ، فإن لم يتحقق بذلك انتقل إلى المرتبة التي تليها وهي الإنكار باللسان بشرطه السابق ، فإن تعذر ذلك إنتقل إلى المرتبة الثالثة والأخيرة وهي الإنكار بالقلب ، وهي كراهية المنكر وإستصحاب النية على تغييره عند القدرة .
وعمل القلب هذا كاف لرفع التبعة والحرج ، ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم تغييرا ، والإنكار بالقلب أكثر ما تدعو إليه الحاجة عندما تصدر المنكرات ممن له ولاية وسلطان ويغلب على الظن أن الإنكار يؤدي إلى فتنة أو ضرر محقق على المنكر ، ولذلك جاء توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا النوع من الإنكار مقرونا بالأمر بالسمع والطاعة ، ففي حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة .
وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنه سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع .
قال النووي – رحمه الله- في شرحه على هذا الحديث : “معناه من كره ذلك فقد برئ من إثمه وعقوبته ، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه ، فليكره ذلك بقلبه ، وليبرأ … “لكن من رضي وتابع” : ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع ، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت ، بل يأثم بالرضا به ، أو بأن لا يكره بقلبه ، أو بالمتابعة عليه” .
فذلك هو هدي رسول الله في الإنكار ولا أغير منه على حرمات الله .أما الإنكار باليد أو اللسان الذي تترتب عليه فتنة أو شر فهو إنكار مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وموافق لطريقة أهل البدع ، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مراتب الإنكار ثم قال :
“وهنا يغلط فريقان من الناس :
فريق يترك ما يجب عليه من الأمر والنهي تأويلا لهذه الآية ، كما قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته : “أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية : {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده . رواه الترمذي .
والفريق الثاني :
من يريد أن يأمر إما بلسانه وإما بيده مطلقا من غير فقه ولا حلم ، ولا صبر ولا نظر فيما يصلح من ذلك وما لايصلح ، وما يقدر عليه وما لا يقدر عليه … فيأتي بالأمر والنهي معتقدا أنه مطيع لله ورسوله ، وهو متعد في حدوده .
كما نصب كثير من أهل البدع والأهواء نفسه للأمر والنهي كالخوارج والمعتزلة والرافضةوغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد وغير ذلك ، وكان فساده أعظم من صلاحه ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة قال : أدوا إليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم ولذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة .
وأما أهل الأهواء كالمعتزلة فيرون قتال الأئمة من أصول دينهم” .

وقال ابن القيم رحمه الله :
“إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله ، فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن الله يبغضه ويمقت أهله ، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة والخروج عليهم ، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر ، وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا : أفلا نقاتلهم ؟ فقال : لا ما أقامواالصلاة وقال : من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعة .
ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل ، وعدم الصبر على منكر ، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكةأكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها ، بل لما فتح الله مكة وصارت دار الإسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك ، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ” ( مجلة البحوث الإسلامية العدد٧٦ صفحة : ٢٩٧ – ٣٠٣ ).

سادسا :
إنزال الناس منازلهم في الأمر بالمعروف أو في إنكار المنكر فمنزلة الوالد غير منزلة الولد والكبير ليس مثل الصغير و الوالدة ليست مثل الزوجة أو البنت في كيفية الإنكار عليهن فلابد من العلم و الحكمة أنظر قوله تعالى في معاملة الوالد المشرك فكيف بمعاملة الوالد المسلم قال تعالى : {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
وهكذا معاملة الملوك والسلاطين فلابد لها من القول اللين مع العلم والحكمة والتلطف في العبارة أنظر ربنا تبارك وتعالى يخاطب رسوله موسى عليه وعلى رسولنا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم بأن يخاطب فرعون الكافر بالكلام اللين وهذا فيما قصه الله تعالى في كلامه المنزل {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } وهذا الرسول موسى و أخاه صلى الله عليهما وسلم قد عصما وكفي في دعوتهما فكيف أنت يامن أنت عرضة للخطأ والتقصير والنسيان كيف يكون تعاملك مع أخ لك مثلك مسلم وقد بينت السنة أن معاملة الملوك والسلاطين ليست مسألة إجتهاديه بل يرجع فيها إلى السنة الثابتة عن رسول الله صلى عليه وسلم فقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده الا هالك وفي هذه الفقرة سنبين إن شاء الله السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه في كيفية التعامل مع ولاة الأمر ونذكر هدي سلفنا الصالح في هذه المسألة فمن ذلك :
أ / 

عن شريح بن عبيد الحضرمي قال:
“جلد عياض بن غنم صاحب دارا حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي فأتاه هشام بن حكيم فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي يقول: (إن من أشد الناس عذابا أشدهم عذابا في الدنيا للناس)، فقال عياض بن غنم: يا هشام قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أو لم تسمع رسول يقول: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه).
وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى؟”. أخرجه أحمد وابن أبي عاصم في كتاب السنة، وصححه الحاكم والألباني.
ب /

مااخرجه هناد رحمه الله في كتابه الزهد عن الخليفه الراشد امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:” أيتها الرعية إن لنا عليكم حقا: النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير”.

ج/ 

3- عَن سعيد بْن جبير رحمه الله قَالَ قلت لابن عَبَّاس رضي الله عنهما آمر إمامي بالمعروف قَالَ:” إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بد فاعلا ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك”. رواه سعيد بن منصور في سننه

د / 
عن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر، فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان.
قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة.قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كلاب النار.
قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بلى الخوارج كلها.
قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم.
قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جمهان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته، فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك، وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه”.
رواه أحمد والطبراني، وحسنه الألباني رحمه الله في تخريج السنة (٢/ ٥٢٣)
ها /
في اتباعك للسنة والتمسك بهدي سلفنا الصالح ولزوم الجماعة تبتعد عن مشابهة مذهب الإخوانية الخوارج في تمسحهم بالدين و استغلال عاطفة جهلة المسلمين ومن ثم تهييجهم على ولاة امرهم

فالمظاهرات والمسيرات والاضراب والاعتصام والتكلم طعنا بحكامهم في مجالسهم الخاصة والعامة وعلى منابر الجمعة كل هذا متبع فيه الغرب الكافر ومتبع فيه عقيدة الخوارج الإخوانية مما يترتب عليه مفسدة أعظم من مفسدة المنكر الذي يريدون انكاره- ان كان هناك ثمت منكر .
سابعا :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة واجبة وقد تكون فرضا على بعضهم وهي كما قلنا عبادة مثلها مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج ومن أهل العلم من جعله ركنا سادسا من أركان الإسلام وهذه الشعيرة الطاهرة الظاهرة من شعائر الإسلام لابد لها من شرطين لصحتها أولهما:
لإخلاص لله سبحانه وتعالى وثانيهما: الصواب ويتم ذلك بالعمل وفق سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الخروج على نص الوحي ومن تعداه وخرج هلك ولاتتم هذه الأمور إلا بالعلم قبل الأمر أو النهي بأن هذا من المعروف او ان هذا من المنكر ويلحق هذا الأمر الحلم وحسن الخلق في أثناء الأمر أو النهي وقد بين ذلك فيما سبق ويغني عن اعادته في هذا الموضع ويتبع ماسبق الصبر في آخر الأمر أو النهي فالاذى من الخلق لحق الأنبياء والمرسلين فصبروا على مااوذوا فمكنهم الله في الأرض قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) قال أبو الدرداء الصحابي الجليل رضي الله عنه : ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اتخذني الناس عدوا وما لهم علي من ذنب. تركني الأمر بالمعروف ومالي من صديق .
وقال أويس القرني التابعي الجليل رحمه الله : قيام المؤمن بحق الله تعالى لم يبق له صديقاً والله إنا لنأمر بالمعروف فيتخذونا اعداء ويجدون على ذلك من الفساق أعواناً حتى لقد رموني بالعظائم . ولكن : (إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً )
يل للإمام أحمد رحمه الله عنه: هل يمكن المسلم أم يبتلى ؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى قال إبن كثير رحمه الله في تفسيره عند تفسير هذه الاية من سورة لقمان (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )
” {يا بنيَّ أقم الصلاة} أي بحدودها وفروضها وأوقاتها، {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} أي بحسب طاقتك وجهدك، {واصبر على ما أصابك} لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر، وقوله: {إن ذلك من عزم الأمور} أي أن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور ” انتهى كلامه رحمه الله تعالى والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
كتبه واملاه الفقير إلى عفو مولاه: غازي بن عوض العرماني
يوم الثلاثاء ٦ / ١ / ١٤٣٩ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم